السماء ملبدة بالغيوم
عندما انفرجت ثغرة في كبد السماء من بين ركام الغيوم اندلق ضوء القمر على سفح الجبل المهيب المحاذي للقرية . كان ذلك للحظات مخاتلة ليس الا , ثم عادت الامور الى حالها . لقد اورثتني هذه اللحظات شئ من الغبن ومرارة الهزيمة , ولم ينزاح هذا الشعور عني بالرغم من ان الامور عادت لحالها , بل انها ازدادت – لا اقول سوءا كما يفترض ان يقال في الاحوال الطبيعية – وانما اقول تلبدا وتكثفا, وفجرت في داخلي براكين من المشاعر والافكار .. ووجدت نفسي في بيئة ساحرة لممارسة لذة الوجود . لقد باتت الغيوم مطبقة على الوجود تمام الاطباق .. فلا قمر ولا نجوم في سمائنا .. لقدتلاشى الوجود الى مكونات معدودة .. فليس ثمة الا كرة من السواد يمزقها البرق من كل اتجاه , فلولا هزيم الرعد المحيطي الذي يعطي للمكان ابعاده الثلاثة, ولولا الهمهمات المكتومة التي تنبعث من البيوت المجاورة , ولولا اخي المستلقي الى جواري بصمت مستمتعا بهذا الطقس الفريد لظننت ان الكون عبارة عن نقطة واحدة هي انا.
قلت لاخي : ما اجمل ان تشعر بانك الكون كلة!!!
قال: ربما !
قلت لنفسي: ربما انه لم يفهم ما اعني , لكن لا يهم .
قلت له : ربما تعرض اينشتاين لظروف كهذه الهمته تظريته!
قال اخي: ربما!
قلت لنفسي: ربما انه لم يفهم ما اعني , لكن لا يهم !..وربما هو يعايش تجربة حسية اخرى.
عدت لاستمتع بالمفردات المعدوده للوجود , فالبرق الذي يومض من السحب القريبة يعطي منظر فلاشي لمنازل القرية .. كما ان قريتي انطبعت في ذاكرتي منذ سنوات الطفولة كمنظر راسخ عصي على التغيير .. فالبيوت نفس البيوت ,والزرائب نفس الزرائب , والجبل-هذا الجبل العظيم- نفس الجبل .
عندما سالنا استاذنا ونحن في الثاني ابتدائي: ما اعلى جبل في الوطن ؟..
قلت بكل ثقة وتفاخر: سما .. سما يا استاذ.
ضحك بعض التلاميذ ولكن الاستاذ نهرهم قائلا : ان تجيب بالخطاء افضل من اللا تجيب .
لوسال الاستاذ حينها عن اطول جبل في العالم لقلت دون تردد (سما) .
كان هذا التصور جزء من انطباع تكون في مخيلتي منذ الطفولة .. فهو رمز للعظمة والشموخ .. هكذا اراه دائما من اي نقطة في القرية او حولها .. كذالك رجال المنطقة يعتزون بهذا الجبل فيقولون افتخارا انا ابن شامخ سما. لوطلب مني الاستاذ الخروج من الفصل ومقارنة جبل سما بالجبال المحيطة لتبين لي الامر. على اي حال فانا ارى جبل سما من المدرسة او من اي مكان في المنطقة من امد بعيد, ولكن الممانعة الداخلية جعلت تصوري له مرتبطة بالمكان الذي ولدت ونشات فيه .. لهذا اظل استبعد اي تصور اخر .. كان موقفي مع الاستاذ قد جعلني اخذ الاموربنسبيتها . لمع البرق عندما كنت انظر في الظلام الى اللا شي ناحية الجبل فبان لي برهبته وعظمته كما عرفته دائما . ان تكوينه من صخرة واحدة وانحداره الشديد يوحيان لكل من ينظر اليه من سفحه بهذه العظمة والرهبة التي يتميز بهما. فسما لن يكون سما الا من هنا ومن هذا المك













