السماء ملبدة بالغيوم

كتبهاbaradan999 ، في 4 أكتوبر 2008 الساعة: 19:33 م

السماء ملبدة بالغيوم

 

عندما انفرجت ثغرة في كبد السماء من بين ركام الغيوم اندلق ضوء القمر على سفح الجبل المهيب المحاذي للقرية . كان ذلك للحظات مخاتلة ليس الا , ثم عادت الامور الى حالها . لقد اورثتني هذه اللحظات شئ من الغبن ومرارة الهزيمة , ولم ينزاح هذا الشعور عني بالرغم من ان الامور عادت لحالها , بل انها ازدادت – لا اقول سوءا كما يفترض ان يقال في الاحوال الطبيعية – وانما اقول تلبدا وتكثفا, وفجرت في داخلي براكين من المشاعر والافكار .. ووجدت نفسي في بيئة ساحرة لممارسة لذة الوجود . لقد باتت الغيوم مطبقة على الوجود تمام الاطباق .. فلا قمر ولا نجوم في سمائنا .. لقدتلاشى  الوجود الى مكونات معدودة .. فليس ثمة الا كرة من السواد يمزقها البرق من كل اتجاه , فلولا هزيم الرعد المحيطي الذي يعطي للمكان ابعاده الثلاثة, ولولا الهمهمات المكتومة التي تنبعث من البيوت المجاورة , ولولا اخي المستلقي الى جواري بصمت مستمتعا بهذا الطقس الفريد لظننت ان الكون عبارة عن نقطة واحدة هي انا.

قلت لاخي : ما اجمل ان تشعر بانك الكون كلة!!!

قال: ربما !

قلت لنفسي: ربما انه لم يفهم ما  اعني , لكن لا يهم .

قلت له : ربما تعرض اينشتاين لظروف كهذه الهمته تظريته!

قال اخي: ربما!

قلت لنفسي: ربما انه لم يفهم ما  اعني , لكن لا يهم !..وربما هو يعايش تجربة حسية اخرى.

عدت لاستمتع بالمفردات المعدوده للوجود , فالبرق الذي يومض من السحب القريبة يعطي منظر فلاشي لمنازل القرية .. كما ان قريتي انطبعت في ذاكرتي منذ سنوات الطفولة كمنظر راسخ عصي على التغيير .. فالبيوت نفس البيوت ,والزرائب نفس الزرائب , والجبل-هذا الجبل العظيم- نفس الجبل .

عندما سالنا استاذنا ونحن في الثاني ابتدائي: ما اعلى جبل في الوطن ؟..

قلت بكل ثقة وتفاخر: سما .. سما يا استاذ.

ضحك بعض التلاميذ ولكن الاستاذ نهرهم قائلا : ان تجيب بالخطاء افضل من اللا تجيب .

لوسال الاستاذ حينها عن اطول جبل في العالم لقلت دون تردد (سما) .

كان هذا التصور جزء من انطباع تكون في مخيلتي منذ الطفولة .. فهو رمز للعظمة والشموخ .. هكذا اراه دائما من اي نقطة في القرية او حولها  .. كذالك رجال المنطقة يعتزون بهذا الجبل فيقولون افتخارا انا ابن شامخ سما. لوطلب مني الاستاذ الخروج من الفصل ومقارنة جبل سما بالجبال المحيطة لتبين لي الامر. على اي حال فانا ارى جبل سما من المدرسة او من اي مكان في المنطقة من امد بعيد, ولكن الممانعة الداخلية جعلت تصوري له مرتبطة بالمكان الذي ولدت ونشات فيه .. لهذا اظل استبعد اي  تصور اخر .. كان موقفي مع الاستاذ قد جعلني اخذ الاموربنسبيتها . لمع البرق عندما كنت انظر في الظلام الى اللا شي ناحية الجبل فبان لي برهبته وعظمته كما عرفته دائما . ان تكوينه من صخرة واحدة وانحداره الشديد يوحيان لكل من ينظر اليه من سفحه بهذه العظمة والرهبة التي يتميز بهما. فسما لن يكون سما الا من هنا ومن هذا المكان .. وهذه من خصالة التي يتميزبها .. ولما اضاء البرق مجددا رايت هامنه العظيمة .. لم تغطيها الغيوم كما غطت معظم الجبال وهذا برهان للحقيقة التي لا اريد تقبلها .. قلت في نفسي : ربما احتراما واجلالا 

اغمضت عيني للحظات , علت اصوات الرعود, اصغيت لهذه الاصوات بكل مشاعري واحاسيسي, اصوات تاتيني من كل الاتجاهات ومن كل الابعاد ومن اعماق المسافات, حاملة كل نبرات المشاعر فبعضها توحي بالتهديد والوعيد وبعضها تحاكي الانين المكتوم . كان استاذ مادة القران يخبط الطاولة بسوط خيزران ويتوعد قائلا: ويحه من ياتيني غدا وهو لم يحفظ سورة النباء..

كنا نرتعد كا لفراخ المبتلة بالمطر. كم كنت ابغضه, لا نه كان-دائما- يجد سببا لجلدنا . جلجل الرعد بشدة هذه المرة من فوق رؤوسنا قلت بردة فعل : لا صوت بعلو فوق صوت الرعد كانت الاذاعة الرسمية تردد عبارة شبيهة بهذه العبارة .

اغمضت عيني. مضت بضعة ثواني من الصمت ثم تناهى الى وجداني انين مكتوم لرعد موغل في البعد, اجتاحتني تيارات من الغم عندما تذكرت جارتنا وهي تندب ابنها الوحيد الذي قتله المرتزقة منذ عدة سنوات . التحق بالخدمة في الجيش. لم ينهي المرحلة الابتدئية. كان صديقي . حزنت كثيرا لمقتلة . كنت اشعر بالخوف عندما كنت اسمع امة –يرحمهما الله – لقد ماتت بعد ابنها بعدة اشهر. شعرت بانقباض في صدري وغصة في حلقي. فتحت عيني. اخذت انظر في كل الاتجاهات لا طرد هذه الذكرى الاليمة .. نظرت هنا وهناك .. تاملت او اجبرت نفسي على تامل البرق الذي ينبعث من خلف السحب كان يرسم من حواف السحب اشكالا لوحوش اسطورية تحاكي الوحوش الاسطورية التي تكونت في مخيلتي  منذ الطفولة عندما كانت تروى لنا الاساطير والحكايات الشعبية.

اخرجني اخي من نفسي عندما نهض وهو يقول : سآتي بالفرش.

قلت : انتظر ربما تمطر ..

قال : لن تمطر.

استغربت رده الجازم ولم اتكلم .

قال قبل ان يختفي في الدرج :الهجرة دئما الى الشمال .

اندهشت لقوله وتسالت ما علاقة المطر بالهجرة الى الشمال .. قلت ساساله حالما يعود . ومض البرق من خلف الجبل هذه المرة تبعته جلجلة عظيمة .. احسست بقطرة مطر على ساعدي ارتحت لبرودتها . توقعت انه سيعود من دون الفرش. سمعت صوته قادم من عمق الدرج .. ومن بين الانين المكتوم للرعود المضمحلة يقول: هيا ساعدني خاب توقعي فقد احضر الفرش , ومع ذلك سيجبرنا الرذاذ على النزول.

قلت بصوت مسموع: ما اشبه الليلة بالبارحة

قبل خمس سنوات وقبل عشر سنوات وقبل خمسة عشر سنة. حصل كهذا . تذكرت في احد المرات حملتنا امي مرتين ولم يسقط المطر وفي المرة الثالثة عندما بدات قطرات صغيرة من المطر تبلل فرشنا ابت الا ان تتركنا اعتقدا منها ان الامر سينتهي كما كل مرة لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن .. فالقطرات صارت اكبر , ثم تكاثفت .. هرعت امي الى الاسفل واحضرت حصيرة وفرشتها فوقنا , ما اجمل صوت المطر على الحصيرة.

قالت : ناموا الامر سينتهي بعد قليل

مرت ثوان ازداد الرذاذ ثم صار مطرا وامي ازداد عنادها . علت نبضات قلوبنا بالخوف مع تسارع الوقت واشتداد المطر لقد بدانا نشعر بالبلل قد اخترق كل شي . في هذه اللحظة صار عناد امي حيرة وندم .

قالت لنا : لا تخافوا ابقوا تحت الحصيره ساخذكم واحدا واحد..

عندما صرنا كلنا الستة في القرفة كنا مبتلون نرتعش من البرد ولم يعد لدينا فرش صالح للنوم كل شي مبلل. حتى افكار امي صارت مبتلة ومبللة. قلت بصوت مسموع : ياترى – ليلتها – اين كان ابي

قال اخي : ماذا؟؟

قلت : لاشيء .. لاشيء

عندما استلقيت على فراشي حسيت بفطرت مطر صغيرة حطت اسفل من جفني . مسحتها بظاهر كفي حتى اشعر ببرودتها . مسحتها كمن يمسح دمعة . شعرت بقطرات اخرى .

قلت : اخي دعنا نحمل فرشنا بسلام .

قال : مالك الليلة ؟

قلت : ابونا مات من سنين , وامنا طاعنة في السن. دعنا ننزل.

قال : مالك تهذي .. لقد حملت كل شي دفعة واحدة.

قلت : الاتشعر بالحاجة لهما .

قال : بلى , ولكنها سنة الحياة.

قلت : لا يهم ان ابتل , لكني اريد ان يكون لدي فراش لكي انام .

قال : انظر الى الجبل .

كان في تلك اللحظة قد انفرجت  السماء ولبست هامة الجبل عمامة فضية من النور.

تابع قائلا: الا ترى كم هو مكشرا ؟!

دققت نطري في الصخرة العظيمة التي نسميها (جبل سما)

تابع اخي يرد على نفسة:اليس ظلما ان تذهب هذه السحب الى الشمال لتضع خيرها هناك وهذا الجبل المعتز بنفسه يموت عطشا .

قلت : اتق الله .. فالارزاق بيد الله .

قال : لا اله الا الله وبعد برهة قال بعض البلدان يطلقون صواريخ على السحب فتنزل مطرا حيث يشاؤون .

قلت : حيث يشاء الله.

قال : وما يشاؤون الا ان يشاء الله.

 اتسع ثقب طبقة السحب فوقنا ورقت , وغمر القرية نور القمر, وخفت هزيم الرعد وكاد يتلاشى , وعادت همهمات سكان القرية . لم يعد ثمة برق الا من مكان بعيد خلف سلسلة جبال السرو امسى يومض حتى بزوق الفجر. اما نحن فقد غشينا النوم.

 

 

بارادان                    

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر