من يوميات نازح
- كم أكره هذا الطنين.
دفعت الجاري أمامي. كان الهواء الساخن يجلد وجهي ، وكانت الأرض تحت قدمي كالصفيح الساخن.. أحس ان كل مسامي نوافير عرق . قلت في نفسي:
- مع الحرب لا مع الحر
حتى مقابض الجاري الحديدية تشوي يدي . توقفت وأرخيت يدي لتستريحا من حرارة الحديد. عاد الطنين يتحدى أعصابي .. يستفزها. حتى الهواء الحار توقف. ذات يوم في مطار هيثرو كنا نرتعش من البرد، كان يوما كهذا اليوم من ايام شهر يونيو.. وعندما وصلنا ساعة الأصيل الى مدينة أشفورد في مقاطعة كنت كانت أسناني تصطك من البرد .. كان المرشد يبتسم إذ يرانا كالفراخ المبتلة كان يلبس بدلة صيفية بينما كنا نلبس بدل شتوية.. لا شك انه منتعش بنسيم الصيف المعتدل، في حين أنّا نشعر ان أناملنا قد تجمدت من شدة البرد.. شيء طبيعي اذا انتقل المرء من عدن الى لندن دفعة واحدة. في اليوم التالي كانت جلودنا قد اكتست بالحراشف، قلت لزميلي وأنا انظر إلى ظهره الذي تشقق :
- صرت من فصيلة اسماك الجحش.
بعد أيام تكيفنا مع برد الصيف البريطاني لكن هنا مضت ثلاثة أسابيع ولم نتكيف مع صيف لودر الجهنمي. تناولت المقابض الحارة، وأخذت ادفع الجاري أمامي. قبل ان تعرف منطقتنا مكائن ضخ الماء كانت النسوة ينزحن الماء بالدلي.. آنذاك لم تكن عملية التهليب تثير لدي اية مشاعر، مثلما تثيره لدي ذكراها اليوم.. كانت كل امرأتين تؤديان رقصت التهليب بخفة ورشاقة وتصدحان بأصواتهن الجميلة "هليبه واهليب.." كان التناغم بين الأصوات والحركة مثيرة وممتعة فعلا.. كانت آثار الحبال على الخشب والحجر أكثر ما يثيرني من اي شيء آخر، وهي اليوم تثيرني بمعنى من المعاني، انها تشهد على النشاط البشري الذي مورس في هذه المنطقة، وفي حقبة زمنية ولت.. كانت النساء يجلبن الماء على ظهور الحمير، بينما نساء قريتنا يحملن الماء على رؤوسهن، لان البئر وسط القرية. نظرت الى الجاري، سخرت من نفسي عندما أحسست بالإشفاق عليها.
أكره الطنين، وأكره كل مصادره. الطنين مزعج ومؤذي.. في النهار يزعجني طنين الذباب وفي الليل يزعجني طنين البعوض. استطيع ان أتحمل طنين هاتين الحشرتين لكني لا استطيع ان أتحمل هذا الطنين المسلط علينا ليل نهار، ا






















